الشوكاني
497
فتح القدير
إذا ذكر لهم ذلك أكد سبحانه وقوعه بقوله ( وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون ) أي أن الله سبحانه قادر على أن يرى رسوله عذابهم ، ولكنه يؤخره لعلمه بأن بعضهم سيؤمن ، أو لكون الله سبحانه لا يعذبهم والرسول فيهم ، وقيل قد أراه الله سبحانه ذلك يوم بدر ويوم فتح مكة ، ثم أمره سبحانه بالصبر إلى أن ينقضي الأجل المضروب للعذاب فقال ( ادفع بالتي هي أحسن السيئة ) أي ادفع بالخصلة التي هي أحسن من غيرها ، وهى الصفح والإعراض عما يفعله الكفار من الخصلة السيئة وهى الشرك . قيل وهذه الآية منسوخة بآية السيف ، وقيل هي محكمة في حق هذه الأمة فيما بينهم ، منسوخة في حق الكفار ( نحن أعلم بما يصفون ) أي ما يصفونك به مما أنت على خلافه ، أو بما يصفون من الشرك والتكذيب ، وفى هذا وعيد لهم بالعقوبة . ثم علمه سبحانه ما يقويه على ما أرشده إليه من العفو والصفح ومقابلة السيئة بالحسنة فقال ( وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين ) الهمزات جمع همزة ، وهى في اللغة الدفعة باليد أو بغيرها ، وهمزات الشياطين نزغاتهم ووساوسهم كما قاله المفسرون ، يقول همزه ولمزه ونخسه : أي دفعه ، وقيل الهمز كلام من وراء القفا ، واللمز المواجهة ، وفيه إرشاد لهذه الأمة إلى التعود من الشيطان ، ومن همزات الشياطين سورات الغضب التي لا يملك الإنسان فيها نفسه ( وأعوذ بك رب أن يحضرون ) أمره سبحانه أن يتعوذ بالله من حضور الشياطين بعد ما أمره أن يتعوذ من همزاتهم ، والمعنى : وأعوذ بك أن يكونوا معي في حال من الأحوال ، فإنهم إذا حضروا الإنسان لم يكن لهم عمل إلا الوسوسة والإغراء على الشر والصرف عن الخير . وفى قراءة أبي " وقل رب عائذا بك من همزات الشياطين . وعائذا بك رب أن يحضرون " . وقد أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ( قل من بيده ملكوت كل شئ ) قال : خزائن كل شئ . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عنه ( ادفع بالتي هي أحسن السيئة ) يقول : أعرض عن أذاهم إياك : وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطاء ( ادفع بالتي هي أحسن ) قال : بالسلام . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن أنس في قوله ( ادفع بالتي هي أحسن السيئة ) قال : قول الرجل لأخيه ما ليس فيه ، فيقول إن كنت كاذبا فأنا أسأل الله أن يغفر لك ، وإن كنت صادقا فأنا أسأل الله أن يغفر لي . وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والبيهقي في الأسماء والصفات عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلمنا كلمات نقولهن عند النوم من الفزع : بسم الله أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده ، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون " قال : فكان عبد الله بن عمرو يعلمها من بلغ من ولده أن يقولها عند نومه ، ومن كان منهم صغيرا لا يعقل أن يحفظها كتبها له فعلقها في عنقه . وفى إسناده محمد بن إسحاق ، وفيه مقال معروف وأخرج أحمد عن الوليد بن الوليد أنه قال " يا رسول الله إني لأجد وحشة ، قال : إذا أخذت مضجعك فقل : أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده ، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون ، فإنه لا يحضرك " وبالحري لا يضرك . سورة المؤمنون الآية ( 99 - 101 )